محمد علي الحسن

287

المنار في علوم القرآن

العلوم بحظ ، جامعا بين أمرين : تحقيق وحفظ ، كثير المطالعات ، طويل المراجعات ، قد رجع زماننا ورجع إليه ، وردّ وردّ عليه ، فارسا في علم الإعراب ، مقدما في حملة الكتاب ، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها ، مشتعل القريحة وقادها ، يقظان النفس ، دراكا للمحة وإن لطف شأنها ، منتبها على الرمزة وإن خفي مكانها ، لا كزا جاسيا ، ولا غليظا جافيا ، متصرفا ذا دراية بأساليب النظم والنثر ، مرتاضا غير ريض بتلقيح بنات الفكر ، قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف ، وكيف ينظم ويرصف ، طالما دفع إلى مضايقة ووقع في مداحضه ومزالقه » . ولما علم الزمخشري أن كتابه قد تحلى بهذه الأوصاف قال متحدثا بنعمة اللّه : إن التفاسير في الدنيا بلا عدد * وليس فيها لعمري مثل كشافي إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته * فالجهل كالداء والكشاف كالشافي وإذا كان الزمخشري قد اعتز بكشافه ، وبلغ إعجابه به إلى حدّ يقول فيه ما قال من تقريظ له ، وإطراء عليه ، فإنا نعذره في ذلك ولا نلومه عليه ، فالكتاب وحد في بابه ، وعلم شامخ في نظر علماء التفسير وطلابه ، ولقد اعترف له خصومه بالبراعة وحسن الصناعة ، وإن أخذوا عليه بعض المآخذ التي يرجع أغلبها إلى ما فيه من ناحية الاعتزال . اهتمام الزمخشري بالناحية البلاغية للقرآن : عندما يلقي الإنسان نظرة فاحصة على العمل التفسيري الذي قام به العلامة الزمخشري في كشافه ، يظهر لنا من أول وهلة أن المبدأ الغالب عليه في جهوده التفسيرية ، كان في تبيين ما في القرآن من الثروة البلاغية التي كان لها كبير الأثر في عجز العرب عن معارضته والإتيان بأقصر سورة من مثله ، والذي يقرأ ما أورده الزمخشري عند تفسيره لكثير من الآيات من ضروب الاستعارات والمجازات ، والأشكال البلاغية الأخرى ، يرى أن الزمخشري كان يحرص كل الحرص على أن يبرز في حلة بديعة جمال أسلوبه وكمال نظمه ، وإنما لا نكاد نقطع - إذا استعرضنا كتب التفسير وتأملنا مبلغ عنايتها باستخراج ما يحتويه القرآن من ثروة بلاغية في المعاني